الشيخ محمد هادي معرفة

125

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

وحي من اللّه ، يعلّمه الروح الأمين . فلو صحّ ما ذكروه في رأس الآية العشرين ، لكان تكذيبا فاضحا لهذه الشهادة ، وتغليبا لجانب الشيطان على جانب الرحمان ، وهو القائل تعالى : « إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً » . « 1 » والقائل : « كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ » . « 2 » فكيف - يا ترى - يتغلّب إبليس على ضمان يضمنه اللّه تعالى ، فيبطله صريحا ، قبل أن يفرغ من كلامه عزّشأنه ؟ ! وهل يتغلّب ضعيف في كيده على قوي في إرادته ؟ ! وهل هذا إلّا تهافت باهت ، وكلام فارغ ، لا يستطيع عاقل تصديقه ! ب - وأيضا فإنّه تعالى يقول : « وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ . ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ » « 3 » كناية عن أنّ أحدا لا يستطيع التقوّل على اللّه ، تلبيسا للحقيقة إلّا ويهلكه اللّه من فوره . الأمر الذي تقتضيه حكمته تعالى ، جريا مع قاعدة اللطف ، وقد سبقت الإشارة إليها . أفهل ترى - بعد هذا التأكيد - يستطيع إبليس ، وهو صاحب الكيد الضعيف أن يتقوّل على اللّه ، ويلبس الأمر على رسول اللّه صلى الله عليه وآله بما يحسبه وحيا آتيا به جبرائيل الأمين ؟ ! إذن فأين الضمان الذي ضمنه اللّه تعالى الغالب على أمره ، وتعهّده على نفسه في الآية المذكورة ؟ ! ج - وقال تعالى : « إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ » « 4 » فقد ضمن تعالى سلامة القرآن من تلاعب أيدي المبطلين ، وحفظه عن دسائس المعاندين ، أفهل يعقل - بعد ذلك - أن يترك إبليس وشأنه في سبيل التلاعب بالذكر الحكيم ، فور نزوله على رسوله الكريم ؟ ! وهل هذا إلّا تهافت في الرأي ، وإبطال لضمان اللّه ؟ ! ومعه لا تبقى ثقة بما وعد اللّه المؤمنين من النصر والغلبة ، تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا ! !

--> ( 1 ) - النساء 76 : 4 . ( 2 ) - المجادلة 21 : 58 . ( 3 ) - الحاقة 44 : 69 - 46 . ( 4 ) - الحجر 9 : 15 .